الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
352
مناهل العرفان في علوم القرآن
قال بعض أصحابنا : ويستحبّ إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها التي تليها . ودليل هذا أنّ ترتيب المصحف إنما جعل هكذا لحكمة ، فينبغي أن يحافظ عليها إلا فيما ورد الشرع باستثنائه ، كصلاة الصبح يوم الجمعة ، يقرأ في الأولى سورة السجدة ، وفي الثانية « هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ » . وصلاة العيد في الأولى « ق » ، وفي الثانية « اقتربت السّاعة » . وركعتي الفجر في الأولى « قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ » وفي الثانية « قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ » . وركعات الوتر في الأولى « سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى » وفي الثانية « قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ » وفي الثالثة « قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ » والمعوذّتين . ولو خالف الموالاة فقرأ سورة لا تلى الأولى ، أو خالف الترتيب فقرأ سورة قبلها ، جاز فقد جاءت بذلك آثار كثيرة . وقد قرأ عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه في الركعة الأولى من الصبح بالكهف ، وفي الثانية بيوسف . وقد كره جماعة مخالفة ترتيب المصحف . وروى ابن أبي داود عن الحسن أنه كان يكره أن يقرأ القرآن إلا على تأليفه في المصحف . وبإسناده الصحيح عن عبد اللّه ابن مسعود رضى اللّه عنه أنه قيل له : إن فلانا يقرأ القرآن منكوسا فقال : « ذلك منكوس القلب » . وأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فممنوع منعا متأكدا ، لأنه يذهب بعض ضروب الإعجاز ، ويزيل حكمة ترتيب الآيات . وقد روى ابن أبي داود عن إبراهيم النخعي الإمام التابعي الجليل وعن الإمام مالك بن أنس أنهما كرها ذلك ، وأن مالكا كان يعيبه ويقول : هذا عظيم . . وأما تعليم الصبيان من آخر المصحف إلى أوله فحسن ، وليس هذا من الباب ، فإن ذلك قراءة متفاضلة في أيام متعددة ، على ما فيه من تسهيل الحفظ عليهم ، واللّه أعلم » ا ه رحمه اللّه .